رصيف المعرفة يُعيد الحياة الثقافية لمدينة الموصل

بالقرب من جامعة الموصل توجد عدد من البسطات (مكاتب صغيرة) توضع مئات الكُتب المنوعة، وهذه الأنواع من الكُتب لم يكن تنظيم “داعش” آنذاك يسمح بوجودها، ومن كان يمتلكها يتعرض للقتل مباشرة.

شعرٌ وموسيقى وآداب وسياسة وإقتصاد، هذه هي الكُتب التي إنتشرت في مدينة الموصل بعد ثلاث سنوات من سطوة تنظيم “داعش” الذي منع كل المظاهر الثقافية فيها، وراح ينشر فقط تلك التي تروج لأفكاره المتطرفة وتُبيح قتل الناس، لكن اليوم، الحال تغير.

في أيام الجمعة يزداد عدد زائري الشارع ولم يقتصر الأمر عند بيع وشراء الكُتب، بل تعدى ذلك، فهُناك عروض مسرحية وقراءات شعرية وأشخاص يعزفون على الآلات الموسيقية مثل الكمان والعود، وهُناك رسامون يضعون لوحاتهم التشكيلية التي تروي قصة مدينتهم وتبعث رسائل سلام للعالم.

محمد يونس وهو صاحب مكتبة في رصيف المعرفة، يقول لموقع التحالف الدولي: إننا “نسعى من خلال هذا الشارع إلى تحصين شباب الموصل من الأفكار المتطرفة وخلق حالة من الحراك الثقافي والإنساني في المدينة التي عانت من القتل والدمار ووجود التنظيم الإرهابي الذي عاث بالمدينة خراباً، فنحن خلال السنوات الثلاث الماضية لم نر أي شيء سوى السلاح واللحى الطويلة التي تنشر التكفير والكراهية”.

ويُضيف: “نأمل أن يكون رصيف المعرفة في تطور كبير خلال السنوات المقبلة، فالمكاتب والبسطات الصغيرة يجب أن تتحول فيما بعد إلى دور نشر ومكاتب كبيرة من أجل أن تكون هناك حركة ثقافية واسعة تُقاوم وتُنهي على كل الأفكار المتطرفة التي خربت مدينتنا”.

تتوزع البسطات على رصيف المعرفة بطرق وأدوات أولية، لكن مضمونها لا يختلف عن أية مكتبة أخرى في العالم، وكذلك هدف أصحاب المكتبات الذين يُريدون الإنتقال لمرحلة مُحاربة الفكر المتطرف بالفكر السليم والإنساني، فهم يقولون إن مرحلة مُحاربة الإرهاب بالسلاح قد إنتهت ودورنا اليوم مُحاربتهم بالعلم والثقافة.

يقول مُسلم الحمداني وهو أحد رواد رصيف المعرفة لموقع التحالف الدولي: إن “سُكان الموصل وجدوا فرصة كبيرة في هذا الرصيف الذي يُعيد الحياة لهم، فهذا الشارع بإمكانه أن يُزيل كل الأفكار المتطرفة التي أراد تنظيم داعش زراعتها في المدينة بعد تحريرها منه”.

ويُضيف: “أزور هذا الشارع في الأسبوع مرتين تقريباً، وبعض الأحيان أصطحب زوجتي معي، فهي تُحاول الآن أن تتعود على القراءة بشكل مستمر، فالفترة التي التي قضتها في ظل سيطرة التنظيم الإرهابي، أثرت على نفسيتها كثيراً وأنا على يقين أنها ستجد في المطالعة فرصة لنسيان كل المشاهد التي رسخت في بالها طيلة السنوات الثلاث الماضية”.

لا ينوي أصحاب المكتبات التوقف عن تطوير الرصيف، بل لديهم خطط في جعله مركزاً ثقافياً لمدينة الموصل ويتضمن فعاليات وأنشطة علمية وثقافية وتوعوية، كما أن النشاطات المسرحية والموسيقية التي أقيمت في الشارع ستُكرر خلال الفترات المقبلة بغية جعل الشارع مكاناً لكل ما يُمكنه أن يبعث السلام بين المجتمع الموصلي.

تقول النائبة عن مدينة الموصل، جميلة العبيدي لموقع التحالف الدولي: إن “الشارع الذي أنشأ عليه رصيف المعرفة، كان في يوم ما مكاناً يُنظم ويُقيم فيه تنظيم “داعش” دعاياته والترويج لأفكاره المتطرفة، لكن شباب مدينة الموصل أرادوا أن يخلقوا حياة جديدة لمدينتهم وأصروا على أن تبدأ من القراءة والمطالعة”.

وتُضيف: “علينا كسياسيين أن ندعم ونؤازر مثل هكذا مشاريع وأن نُبقيه شارعاً ثقافياً وعلمياً بعيداً عن السياسة، فمدينة الموصل تحتاج إلى مثل هكذا نشاطات تُخرج سُكانها من الحالة النفسية التي عاشوها خلال السنوات التي سيطر فيها التنظيم الإرهابي على المدينة”.

وفاء أكرم

 

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك, يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد